( Part 1)تسوية المنازعات في مجتمع قانوني مختلط

August - 2012

 

 

بفضل تطور وسائل الاتصال وتقدم التكنولوجيا أصبح التقريب ومحاولة فهم الآخر والقبول بالاختلاف معه والتعايش مع هذه الاختلافات مسألة ضرورية باعتبار أنها حقيقة لابد من إيجاد وسائل لفهمها وكيفية تطبيقها وهذا ينطبق بطبيعة الحال على المجتمع القانوني إذ أن الغاية من محاولة فهم الوقائع وكذلك حسن تفسير وفهم النصوص وتطبيقها على الوقائع المعروضة يؤدي في النهاية إلى تحقيق العدالة .

كما نعلم جميعا بأن هناك أنظمة قانونية مختلفة ومنها وما يعنينا وسوف نتناوله اليوم النظر بعمق الى المبادئ والتفاسير التي يتبناها كل من  نظام القانون المدني Civil Law ونظام القانون العام Common Law على اعتبار ان المعاملات الدولية في اغلبها تخضع لاحد هذين النظامين او لهما معا ، حيث أن الإلمام بالخلفية القانونية لكل نظام  يؤثر جوهرياً في إنجاح العمل القانوني وترتيبه للأثر المنشود والاهم من ذلك ادراك الاختلاف في المفاهيم لتجنب الوقوع في الخلط والخطأ .

دول القانون المدني تقوم على تقنين المواد القانونية والقاضي يرجع إلى النصوص وتفسيره وفهمه لها  من اجل تأسيس الحكم أما في دول القانون العام فالقاضي يرجع إلى القواعد المقررة بموجب حيثيات السوابق القضائية Precedents وحتى بوجود التقنين في نظام القانون العام فإن تفسير القواعد يتم بالرجوع إلى تسبيب القضاة.

يترتب على ذلك أن هناك أمور يجب مراعاتها عند إبداء الرأي القانوني أو عند صياغة العقود أو عند رفع الدعاوى وكذلك عند تسبيب الأحكام بالنسبة للقضاة والمحكمين أيضا، وإن إغفال هذه الأمور من شأنه التأثير على النفاذ القانوني للتصرف، بل قد يصل إلى حد إبطاله. لأن هناك اختلافات أحيانا كبيرة يجب الالتفات لها تتعلق على سبيل المثال لا الحصر: بالشكل والإثبات والصفة وبحق الدفاع وبعض الاصطلاحات التي درج عليها كل نظام قانوني مثل اصطلاح الاستوبل ومبدأ بدون  الاجحاف المعروف لدى نظام القانون العام Common Law.

 هذه الورقة تتناول بعض المسائل الهامة التي يجب الالتفات لها تتعلق بالقواعد القانونية  المتعلقة بالقواعد الموضوعية أو بقواعد الإجراءات عند اتخاذ وسيلة من وسائل فض الخلافات سواء أكانت أمام المحاكم العادية أو أمام التحكيم المؤسسي Institutional Arbitration أو التحكيم الحر Ad Hoc .

وسوف أتناول تلك المسائل على النحو التالي :

 

الشكل :

المقصود بالشكل هنا أن القانون قد  يشترط وبنص صريح أن الشكل الذي يجب أن يكون عليه التصرف او الاجراء  يجب أن يكون وفقا لشكل معين, فإذا لم يتم فان التصرف او الاجراء في الشكل المحدد قانونا  لا يقوم  الاجراء او يعد ا باطلاولناخذ امثله على ذلك :

يحدد  قانون الاثبات البحريني   الشكل الذي يجب ان يتم فيه الحكم الابتدائي بإحالة الدعوى للتحقيق لسماع الشهود.

مادة - 72 – يجـب أن يبين في منطوق الحكم الذي يأمر بالإثبات بشهــادة الشهــود كل واقعــة من الوقائع المأمور بإثباتها وإلا كان باطلا، ويبين كذلك في الحكم اليوم الذي يبدأ فيه التحقيق والميعاد الـذي يجب أن يتم فيه.

مادة - 84 –على الشاهد أن يحلف يمينا بأن يقول الحق، كل الحق، ولاشيء غير الحق وإلا كانت شهادته باطلة.

فإذا لم تتوافر هذه الشروط في منطوق الحكم الصادر باحالة الدعوى للتحقيق لسماع الشهود يكون الحكم باطلا واذا لم يحلف الشاهد اليمين بالصيغة  التي نص عليها القانون تكون الشهادة باطلة  واذا اسس الحكم قضاءه على الشهادة يكون باطلا .وهذا الشكل مقرر ايضا في اغلب الدول التي تتبني نظام القانون المدني .

وتطبيقا لهذا المبدأ في دبي في يولية 2000 قامت شركة بكتل العالمية مع ادارة الطيران المدني في حكومة دبي بعرض نزاع بينهما الى التحكيم في غرفة دبي التجارية والصناعية ، قامت الغرفة بتاريخ 20فبراير 2002 بعد سماع عدد 15 شاهد باصدار قرار لمصلحة بكتل بمبلغ 24.4 مليون دولار امريكي قامت حكومة دبي بالطعن علية بالبطلان امام المحكمة المختصة  في دبي على سند من القول ان الشهود في القضية لم يؤدوا صيغة الحلف التي نص عليه قانون المرافعات وهي : أقسم بالله العظيم بان اقول الحق وقالوا عوضا عنها انني ملزم بقول الحقيقة و  سوف اواجه نتائج قاسية اذا لم اقل الحقيقة وبتارخ 16 نوفمبر 2002 اصدرت المحكمة المختصة في دبي حكمها ببطلان حكم المحكمين لبطلان صيغة القسم .طعنت بكتل غلى الحكم بالاستئناف امام محاكمة التمييز في دبي  التي  ايدت الحكم الصادر بالبطلان .

القوانين الموضوعية قد  تشترط الشكل الذي يجب ان تتم فيه بعض التصرفات مثل التصرفات الواردة على العقار وعلى سبيل المثال تنص المادة 14 من قانون التسجيل العقاري لعام 1979 في البحرين على :

 

"جميع التصرفات التي من شأنها إنشاء حق من الحقوق العينية العقارية الأصلية أو نقله أو تغييره أو زواله والأحكام النهائية المثبتة لشيء من ذلك يجب قيدها في السجل العقاري.

ويترتب على عدم القيد أن الحقوق المشار إليها لا تنشأ ولا تنتقل ولا تتغير ولا تزول لا بين ذوي الشأن ولا بالنسبة لغيرهم."

 

بالتالي هناك قواعد  قانونية تستلزم ان يبرم التصرف القانوني بشكل معين ويتعين الانتباه لها في كل نظام قانوني اذ ان مخالفتها يترتب عليه اما البطلان واما عدم نفاذ التصرف الى ان يتم اتمام الاجراءات التي يستلزمها القانون .

كل مواد القانون التي ترتب البطلان على التصرف يجب الانتباه لها ومراعاتها لانها تعتبر من النظام العام وجميع مواد القانون يجب الانتباه لمضمونها الا اذا نص في المادة بجواز الاتفاق على خلافها .

الصفة :

 بحسب قواعد قانون المرافعات فان الدعوى هي حق الالتجاء الى القضاء  لحماية الحق او المركز القانوني المدعى به ومن ثم يلزم لقبولها توافر الصفه الموضوعية لطرفي هذا الحق بان ترفع الدعوى ممن يدعي استحقاقه لهذه الحماية وضد من يراد الاحتجاج عليه بها . ويترتب على ذلك اذا تخلفت صفة المدعي او المدعى عليه في الدعوى كانت الدعوى غير مقبوله وتعين على القاضي الحكم بعدم قبولها .

ويتولى القاضي إعمال سلطته التقديرية للبحث في توافر او عدم توافر شرط الصفه ويستقل القاضي باستخلاص الصفة في الدعوى دون معقب عليه مادام استخلاصه مبنيا على  اسباب سائغة .

و نورد في هذا الصدد  حكم من مركز القاهرة الاقليمي في دعوى تحكيمية قررت الهيئة " انه ثابت من مستندات الدعوى ان الشركة المتعاقدة الموردة  صاحبة الصفة في اللجوء الى التحكيم ليست هي الشركة المحتكمة . ذلك ان الثابت من المستندات التي قدمتها المحتكمة بنفسها في الدعوى ان المحتكمة ليست صاحبة الصفة في الدعوى التحكيمية ،واعتبرت الهيئة " ان توقيع وثيقة التحكيم بين الطرفين لم تنشأ وضعا قانونيا جديدا ولا عدلت وضعا قانونيا قائما خاصة من حيث صفة الخصوم " وخلصت الى ان ماورد في وثيقة التحكيم لا يعد اقرارا قضائيا بشأن صفة المحتكمة في الدعوى التحكيمية .( الحكم الصادر في الدعوى رقم 269 لعام 2002 بتاريخ 31/12/2002 ([1] )..

 وفي  تعليقها على الحكم من وجهة نظر القانون العام المحامية ريتا ابو عون (لبنان)   رجحت   فكرة ان الحكم بعدم اعتداده بمشارطة التحكيم المبرمة بين المدعي والمدعى عليه باللجوء الى التحكيم على اثبات صفة ومصلحة المدعية ادى الى تخطي مبدأي حسن النية في التعامل وعدم التناقض (الاستوبل ) وكلاهما من المبادي العامة الاساسية في القانون الدولي ومن القواعد المادية في التحكيم التي ترقى الى قواعد النظام العام .(تعليق المحامية ريتا ابو عون (لبنان) ذات المصدر اعلاه صفحة 667).[2]

ولكن ووفقا لاحكام القضاء في مصر و دول الخليج العربي فان الصفة والمصلحة من الامور التي يكون من واجب القاضي التاكد منها والا كان حكمة معرضاّ للالغاء وهنا فان التوقيع على اتفاقية التحكيم لا تكفي وحدها لاثبات الصفة أو المصلحة في رفع الدعوى .

وفي مثل آخر يجب الانتباه في حالة ربط صفة المدعي مع سقوط الحق بالتقادم   في احد القضايا المرفوعة في البحرين ملخصها ان المدعي اقامها بصفته المدير المعين لادارة مؤسسة وفقا لنص صريح في القانون والمدير يمثل كل اصحاب المصالح في الشركة تحت الادارة وحيث ان المدعي اقامها  بصفته مدير ( مع ملاحظة ان القانون نص على ان المدير يمثل  الشركة ، الشركاء ،المساهمين ،الدائنين وكل اصحاب المصلحة ) الا ان لائحة الدعوى اقتصرت في التعريف بالمدعي على اسم المدعي بصفته المدير المعين لادارة الشركة وفقا للقانون  دون ان يذكر بصراحة نيابة عن الدائنين والشركاء والمساهمين على اعتبار انه يمثلهم بقوة القانون لان صفته مستمده من القانون بنص صريح .

وحيث أن حق الشركاء وحق الشركةقد سقط بالتقادم الا ان حق الدائنين لازال لم يسقط  وقد تمت مناقشة الموضوع باسهاب في مذكرات الدفاع على اعتبار ان المدير يمثل الدائنين الا ان المحكمة حكمت بسقوط الحق بالتقادم لان المدعي لم يذكر في صفته  في لائحة الدعوى انه المدير المعين نيابة عن الشركة ودائنيها لم يذكر ودائنيها . واعتبرت انه لم يقمها نيابة عن الدائنين  و انما عن الشركة فقط التي سقط حقها بالتقادم

مما استدعى المدير إلى اقامة دعوى جديده ووضع عبارة بصفته نائبا عن الدائنين نيابة قانونية مصدرها القانون .

تفاصيل وقائع الدعوى: